الذهب يتجاوز سندات الخزانة الأمريكية: تحول تاريخي في الاحتياطيات العالمية
شهد الذهب تحولًا استراتيجيًا لافتًا في مكانته داخل النظام المالي العالمي، حيث بات ينافس بقوة سندات الخزانة الأمريكية ليصبح أكبر أصل احتياطي لدى الحكومات الأجنبية، مدعومًا بقفزة تاريخية في أسعار الذهب خلال عام 2025، وموجة شراء غير مسبوقة من قبل المؤسسات المالية العالمية.
ما هي تفاصيل هذا التحول الاستراتيجي
احتياطيات الذهب تقترب من 4 تريليونات دولار
وفقًا لبيانات حديثة صادرة عن مجلس الذهب العالمي، تجاوزت الحيازات الرسمية من الذهب لدى الحكومات الأجنبية 900 مليون أونصة تروي حتى نهاية نوفمبر، استنادًا إلى بيانات صندوق النقد الدولي.
وباحتساب أسعار الذهب في نهاية نوفمبر، بلغت القيمة الإجمالية لتلك الاحتياطيات نحو 3.82 تريليون دولار، مقارنةً بحوالي 3.88 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية طويلة وقصيرة الأجل التي كانت بحوزة الحكومات الأجنبية حتى أكتوبر.
يشكل الذهب الآن ما يقارب 27% من إجمالي الاحتياطيات العالمية للبنوك المركزية، متفوقاً على حصة سندات الخزانة الأمريكية البالغة 23%، ليكون بذلك ثاني أكبر أصل احتياطي بعد الدولار الأمريكي مباشرة.
ويأتي هذا التقدم مدعومًا بارتفاع سعر الذهب بأكثر من 66% خلال عام واحد، في واحد من أقوى الأعوام أداءً للمعدن النفيس منذ عام 1979.
لماذا تفضل البنوك المركزية الذهب؟
لا يعود هذا التحول إلى العوامل السعرية المؤقتة فحسب، بل إلى أسباب هيكلية عميقة تغير المشهد المالي العالمي:
- فقدان الثقة في العملات الورقية: هناك قلق متزايد من سياسات التيسير النقدي والعجز المالي الكبير في الولايات المتحدة، مما يقوض الثقة طويل الأمد في قيمة الدولار الأمريكي والأصول المقومة به.
- الرغبة في تقليل المخاطر الجيوسياسية: أدى تجميد احتياطيات روسيا من العملات الأجنبية بعد غزو أوكرانيا إلى تنبيه العديد من الدول لمخاطر الاعتماد المفرط على النظام المالي الغربي، ودفعها نحو أصول "محايدة" مثل الذهب يصعب مصادرتها أو تجميدها.
- التحوط ضد التضخم والديون: في ظل بيئة تضخمية مستمرة وتصاعد مستويات الدين العام الأمريكي إلى أكثر من 38.5 تريليون دولار، يبحث مديرو الاحتياطيات عن ملاذ آمن يحافظ على القيمة على المدى الطويل.
- التحول نحو نظام مالي متعدد الأقطاب: تُسرع التوترات التجارية والجيوسياسية من اتجاه البنوك المركزية، خاصة في الاقتصادات الناشئة، نحو تنويع احتياطياتها بعيداً عن التركيز الأحادي على الدولار، في إطار ما يسمى بـ "التعددية القطبية" في النظام المالي العالمي.
الآثار والتوقعات: ما مستقبل الذهب والنظام المالي؟
يترتب على هذا التحول التاريخي عدة توقعات وآثار محتملة:
- توقعات أسعار الذهب لعام 2026:
يتوقع عدد من المؤسسات المالية الكبرى استمرار الاتجاه الصعودي لأسعار الذهب، حيث توقع كل من بنك جيه بي مورغان وبنك يو بي إس وصول سعر الأونصة إلى 5000 دولار بحلول نهاية 2026 أو خلاله، بينما يتوقع غولدمان ساكس وصول السعر إلى 4900 دولار.
- استمرار الطلب المؤسسي:
من المتوقع أن تستمر البنوك المركزية في شراء الذهب بمستويات قياسية، حيث تتوقع بعض التحليلات شراء ما يقارب 755 طناً خلال عام 2026، وهو ما سيوفر دعماً أساسياً للأسعار.
- تعزيز مكانة الذهب كأصل استراتيجي:
لم يعد الذهب يُنظر إليه على أنه مجرد ملاذ آمن مؤقت، بل تحول إلى أصل أساسي في المحافظ الاستثمارية طويلة الأجل للدول والمستثمرين على حد سواء، وهو ما تؤكده الزيادة الكبيرة في تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب.
وفي النهاية يشكل تجاوز الذهب لسندات الخزانة الأمريكية نقطة تحول محورية، تؤشر لدخول النظام المالي العالمي مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة، يعكس هذا التغير سعياً جماعياً من قبل الدول نحو مزيد من الاستقلالية المالية والتحوط في وجه عدم اليقين.
بينما لا يُتوقع عودة الذهب إلى الهيمنة التي كان عليها في سبعينيات القرن الماضي (عندما شكل 75% من الاحتياطيات)، فإن دوره المُعزز كـ "مرساة استقرار" في المحافظ الاحتياطية يبدو أنه سمة دائمة للمشهد الاقتصادي.
