الذهب في زمن الحروب: هل هو ملاذ آمن دائمًا؟ ولماذا تراجع رغم الحرب الأمريكية الإيرانية ؟
لطالما ارتبط الذهب في الأذهان بأنه الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه المستثمرون في أوقات الحروب والاضطرابات الجيوسياسية.
لكن الواقع في الأسواق المالية الحديثة أكثر تعقيدًا مما يبدو، فبينما يرتفع الذهب في بعض النزاعات، قد يتراجع في أخرى بشكلٍ مفاجئ.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، شكلت اختبارًا حقيقيًا لهذه القاعدة الراسخة، حيث تراجع سعر الذهب بأكثر من 15% رغم تصاعد النزاع، ليسجل انخفاضًا من 5,200 دولار للأونصة وصولًا إلى مستويات 4,400 دولار للأونصة اليوم، فما سر هذه المفارقة؟
أولًا: العلاقة التقليدية بين الحروب والذهب
تاريخيًا، يميل الذهب إلى الارتفاع في أوقات الحروب لعدة أسباب رئيسية:
- الهروب إلى الأمان عندما تشتعل الحروب، يسارع المستثمرون إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم والسندات، ويتجهون إلى الذهب الذي لا يرتبط بأي طرف مقابل.
- الخوف من عدم الاستقرار المالي يحوّل رؤوس الأموال نحو المعدن الأصفر.
- حماية الاحتياطيات الوطنية تلجأ البنوك المركزية في الدول المعرّضة للعقوبات أو النزاعات إلى شراء الذهب بشكل مكثف، لأنه لا يمكن تجميده أو مصادرته مثل الأرصدة الدولارية.
- مواجهة التضخم خلال الحروب، تنفق الحكومات أموالًا طائلة على التسليح، وتطبع النقود وتتراكم العجز، مما يضعف القوة الشرائية للعملات، والذهب الذي صمد أمام التضخم عبر قرون يصبح التحوط المنطقي الوحيد.
ويُظهر التاريخ أن هذا النمط تكرر في كبرى الصراعات، من الحربين العالميتين حيث قفزت أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة، وصولًا إلى الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
ثانيًا: لماذا خالف الذهب القاعدة في الحرب الأمريكية الإيرانية
على الرغم من أن اندلاع الحرب أرتفع الذهب ليصل إلى مستويات 5,400 دولار للأونصة ليلة بدء النزاع، إلا أنه تراجع بعدها واستمر بالهبوط.
هناك أربعة أسباب رئيسية تفسر هذه الظاهرة غير المألوفة:
1- إرتفاع أسعار النفط- السلاح ذو الحدين
عندما اندلعت الحرب، قفزت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل نتيجة اضطرابات الإمداد في مضيق هرمز.
هذا الارتفاع دفع توقعات التضخم إلى مستويات مرتفعة، مما جعل المستثمرين يتوقعون أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بل وربما يلجأ إلى رفعها.
وعندما ترتفع أسعار الفائدة، تزداد جاذبية السندات والأصول ذات العائد الثابت، بينما يصبح الاحتفاظ بالذهب -الذي لا يدر عائدًا- أكثر تكلفة.
2- صعود الدولار وقبضة السياسة النقدية
يقف الدولار الأمريكي كعامل محوري في معادلة الذهب، فالذهب يُسعَّر عالميًا بالدولار، فكلما ارتفع الدولار ارتفعت تكلفة شراء الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.
وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في نطاق 3.50%-3.75%، مع إشارات إلى أنها قد تبقى مرتفعة لفترة أطول.
هذه التوقعات دفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات للصعود، مما رفع كلفة الاحتفاظ بالذهب بشكل كبير.
3- السيولة تجبر المستثمرين على البيع القسري
عندما انهارت أسواق الأسهم والسندات مع اندلاع الحرب، احتاجت المؤسسات المالية والصناديق الاستثمارية إلى سيولة سريعة لتغطية خسائرها وتلبية متطلبات الهامش، وكانت مراكز الذهب التي حققت أرباحًا كبيرة في الفترة السابقة.
حيث أن المؤسسات المالية كانت تصفّي مراكز الذهب الرابحة لمواجهة متطلبات هامش إضافية في أسواق الأسهم والسندات، وهذه هي المفارقة الكبرى: الحرب التي تسببت في خسائر في أسواق أخرى جعلت المستثمرين يبيعون ذهبهم، مما زاد الضغط على سعره.
4- تباطؤ مشتريات البنوك المركزية
لعبت البنوك المركزية دورًا غير متوقع خلال هذه الحرب، فبدلًا من زيادة مشترياتها من الذهب، أوقفت العديد منها الشراء مؤقتًا.
فالبنك المركزي التركي، على سبيل المثال قد باع 52 طنًا من الذهب بين 27 فبراير و27 مارس.
كما توقفت صناديق الاستثمار المتداولة عن الشراء وتحولت إلى البيع، مصفية حوالي 90 طنًا من أصل 150 طنًا كانت قد جمعتها في يناير وفبراير.
ثالثًا: عوامل إضافية ساهمت في التراجع
- البيع قبل الحدث: في كثير من الأحيان يكون المستثمرون قد اشتروا الذهب قبل الحرب تحوطًا، ثم يبدأ بعضهم بالبيع عند وقوع الحدث الفعلي، تحقيقًا للمقولة المتداولة
" أشتري في الأشاعة وبيع في الخبر"
-عامل الوقت: تحولت الحرب من "حرب خاطفة" إلى "حرب استنزاف"، وهذا التمدد الزمني قلل من تأثير الصدمة الأولية وأعطى الأسواق فرصة للتكيف.
- قوة الدولار المستمرة: مع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة، ظل الدولار قويًا، مما واصل الضغط على أسعار الذهب المسعّرة به.
لماذا عاد الذهب إلى الارتفاع بعد بعض أخبار الهدنة؟
المفارقة أن الذهب ارتفع أحيانًا مع أخبار التهدئة أو وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران.
ويعود ذلك إلى أن:
- انخفاض أسعار النفط خفف الضغوط التضخمية
- تراجع الدولار دعم الذهب
- تزايد توقعات خفض الفائدة الأمريكية مستقبلًا
وهذه العوامل كانت أكثر تأثيرًا من العامل الجيوسياسي نفسه.
هل ما زال الذهب ملاذًا آمنًا؟
نعم، لكن الأسواق الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا من السابق.
فالذهب لم يعد يتحرك بناءً على الحروب فقط، بل يتأثر أيضًا بـ :
- قوة الدولار
- أسعار الفائدة
- عوائد السندات
- التضخم
- النفط
- سياسات البنوك المركزية
- تحركات صناديق الاستثمار العالمية
لذلك قد نشهد أحيانًا حروبًا تدفع الذهب للصعود، وأحيانًا أخرى تؤدي إلى هبوطه إذا كانت العوامل النقدية أقوى تأثيرًا.
وفي النهاية فإن الذهب عادةً يستفيد من الحروب والتوترات السياسية لأنه يُعتبر ملاذًا آمنًا، لكن الحرب الحالية بين أمريكا وإيران كشفت أن تأثير الدولار والفائدة والتضخم قد يكون أقوى من العامل الجيوسياسي نفسه.
ويمكن القول إن الذهب لا يتحرك بسبب الحرب وحدها، بل بسبب الطريقة التي تؤثر بها الحرب على الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية وأسواق المال.
